ندوووى
14-Dec-2004, 12:49 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،
المحبة والأخوة في الإسلام للشيخ ابن جبرين
لا شك أن الإسلام ربط بين المسلمين وجعلهم إخوة، قال تعالى: (إنما المؤمنون إخوةً) وقال: (فأصبحتم بنعمته إخوانا) (سورة آل عمران، الآية:103)، وقال: (فمن عفي له من أخيه شيء)(البقرة:178). فجعلهم كلهم إخوة، وإن حصل ما حصل بينهم من القتال ومن القتل فإنهم -رغم ذلك- لا يخرجون عن هذه الأخوة.
ولا شك أن الأخوة تقتضي المحبة بمعنى أن تحب لأخيك الخير وتدله عليه. فالمحبة من أعظم الخصال التي دعا إليها الإسلام.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه). فالمراد أنه يحب له الخير ويكره له الشر، ومعلوم أنه إذا أحب له الخير دلّه عليه، وإذا رأى منه شراً حذّره عنه. فالأخوة في الإسلام هي أن تعرف أن كل من يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويعترف بالعبادات ويفعلها، ويعتقد ما تعتقده من حق الله، فإنه أخٌ لك في الله، وأخ لك في الدين، ولو تباعدت الأنساب أو اختلفت الألوان، فما دمت أنت وهو على دين واحد فإنه أخوك، وإذا كان أخاك فعليك أن تحبه في الله ولله.
ثم إن للمحبة في الله والمحبة في الدين آثاراً؛ ليست المحبة في الله مجرد دعوى المحبة ثم تترك أخاك على ما هو عليه من الجهل أو البدعة أو المعصية أو الحاجة الشديدة؛ وأنت تقدر على إزالة ذلك عنه!
فمن هذه الآثار نذكر ما يلي:
1/ المحبة في الله:
ثبت أنه صلى الله عليه وسلم أمرنا بأن تكون المحبة لله، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثٌ من كُنّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أنُ يقذف في النار".
فانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله" أي لأجل الله، ولأجل صلاحه، واستقامته فإذا كان كذلك فإنه يجد حلاوة الإيمان.
بل قد جعل النبي صلى الله عليه وسلم هذه المحبة من الخصال التي يستحق أهلها أن يكونوا من أهل الظلال يوم القيامة في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله؛ فقال صلى الله عليه وسلم: "ورجلان تحابّا في الله، اجتمعا عليه، وتفرقا عليه".
والمراد باجتماعهما الاجتماع في حياتهما، وبتفرقهما التفرق بعد موتهما؛ يعني اجتمعا في الدنيا على أنهما متحابان ولم يفرق بينهما إلا الموت. فهذان من الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
والمسلمون والحمد لله كذلك، ولكن كثيراً ما يوسوس الشيطان بينهم، ويوقع بينهم البغضاء والوحشة ونفرة بعضهم من بعض فتكون تلك النفرة سبباً للتقاطع والتباغض والتحاسد الذي نهى عنه الله في قوله تعالى: (لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يَكُن خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب...)(الحجرات:11). واللمز هو العيب، كما في قوله تعالى: (ويلٌ لكل هُمزة لُمزة)(الحجرات:11).
فقد بين الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات الوسائل التي تحصل بها المحبة منها:
صفاء القلب.
والنية الخالصة.
ومعلوم أن المسلمين إذا صفت قلوبهم وخلصت نياتهم، ونصح بعضهم بعضاً، وأحب بعضهم بعضاً؛ زالت بينهم المنافسات والحسد والبغضاء ونحو ذلك، وأصبحوا مجتمعين وأصبحت قلوبهم مجتمعة مؤتلفة، لم يكن بينهم حقد، ولا تفرق واجتمعت كلمتهم على ما يحبه الله تعالى، وهو ما أراده من العباد.
وهذا هو ما حصل لصفوة الأمة وخيارها وهم الصحابة -رضي الله عنهم- الذي كانوا أعداء قبل الإسلام فائتلفوا بالإسلام؛ فذكّرهم الله بذلك في قوله تعالى: (واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً)(آل عمران:103)، وقال تعالى: (هو الذي أيّدك بنصره وبالمؤمنين وألَّف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم)، فأصبحوا إخواناً متماسكين بهذه الأخوة في قوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا)(آل عمران:103).
فهذا ما يحث عليه الإسلام؛ يحثنا على أن نكون مجتمعين غير متفرقين، مجتمعة قلوبنا وإن تفرقت أبداننا، مجتمعة أهدافنا، ونياتنا، وأعمالنا، لا يخالف بعضنا بعضاً؛ فإن وقع الاختلاف، وقع التضاد والتحاسد، ونحو ذلك، وبذلك تضعف كلمتنا وتضعف معنوياتنا، ولم يكن لأحد عند الآخر قدر، وصار كل منا يستبدّ برأيه وبنفسه ويدعي أن الصواب في جانبه، ويحقر إخوته ولو كانوا أكبر منه وأفضل، ويلتمس مثالبهم ومعايبهم وينشر السمعة السيئة لمن خالفه!
وهذا ما يتمناه أعداؤنا، ويتمناه الشيطان وأولياؤه؛ فإنهم يتمنون للمسلمين؛ سيما أهل السنة وأهل الحق، أن تكون قلوبهم متفرقة مثلما قال الله تعالى عن اليهود: (تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى)(الحشر:14). فهذا بلا شك مما يتمناه أعداؤنا.
ولا شك أن هذا التفرق الذي نحس به ونسمع به بين الحين والآخر أثر من آثار الآداب السيئة، وإلا فلو تأدبنا بآداب الإسلام لما حدث لنا هذا التفرق، ولما التمس بعضنا عورة بعض ولا أحد يستهزئ بالآخر ويدّعي أن الكمال في جانبه.
ما هكذا يكون المنصفون!
2/ النصيحة لأخيك:
لا شك أن المحبة تقتضي أن تنصح أخاك إذا رأيته قد أخلّ بواجب.
وهذه النصيحة من أعظم آثار المحبة فتنصحه لله تعالى وتقول: إني أحبك في الله -من آثار محبتي أن أنصحك بكذا وكذا، وأدلك على كذا وكذا...
وهذه النصيحة ليست مقتصرة على الأمور الدنيوية، مثل مشاركته في تجارتك أو مساهمته معك، أو أن تدله على ما يربح فيه ... وشبه ذلك، فإن هذا ليس من خصوصيات المحبة، بل المحبة أوسع من ذلك.
فمن المحبة أن ترشده إلى الطاعة وتدله عليها، وتحذره من المعصية وتحثه على الابتعاد عنها، وتبيّن له طرق الخير والشر، وتوضح له الطريق السوي الذي يوصله إلى رضى الله تعالى والجنة؛ وهذه هي حقيقة المحبة.
وسوف يتقبل منك إذا علم أنك صادق المودة، ليس لك هدف دنيوي، ولا قصد إلا أنك تريد له الخير وتدله عليه.
ولا تحتقر نفسك أن تنصحه، وتدله على ما ينفعه في دينه ودنياه، ولو كنت أجهل منه، أو أصغر منه؛ هذا هو مقتضى المحبة.
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم في السنة النبوية أمثلة من آثار هذه المحبة، كقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تقاطعوا، ولا تظالموا ولا تهاجروا، ولا تحاسدوا ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره. التقوى هاهنا -ويشير إلى صدره- بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه".
وظاهر الحديث بيِّن لا يحتاج إلى شرح، فلماذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الأخوة بين المسلمين بقوله: "وكونوا عباد الله إخواناً"، أمرهم أن يثبِّتوا هذه الأخوة التي من آثارها عدم تحقير بعضهم بعضاً، وأن لا يظلم بعضهم بعضاً، ولا يعتدي بعضهم على بعض، ولا يهجر بعضهم بعضاً. فكل ذلك من آثار هذه المحبة ومن آثار هذه الأخوة.
فإذا عرفت أن كل المسلمين إخوة لك فإياك أن تُغل قلبك بحق لأحدهم أو بغض لهم، أو احتقار أو ازدراء لأيهم، خاصةً إذا كان عالماً أو طالب علم فتكون بذلك مخالفاً لهذه التوجيهات النبوية التي دل عليها النبي صلى الله عليه وسلم، وتكون مخلاً بهذه الأخوة لأنك إذا لم تعمل بهذه الإرشادات فلست صادقاً في أنك تحب لأخيك ما تحبه لنفسك، الذي هو شرط من شروط الإيمان كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".
فلا يكون كامل الإيمان، ولا من أهل الإيمان الصحيح الحق إلا من أحب لأخيه ما يحب لنفسه.
3/ النصيحة سرا:
ومن آثار المحبة أنك إذا رأيت أخاك واقعاً في خطأ أرشدته سراً فيما بينك وبينه، فتخلو به وتقول له: يا أخي، إنك وقعت في هذه الزلة وفي هذا الخطأ، ومن النصيحة أن أنبهك عليه بيني وبينك، فإن المؤمن يستر وينصح، والمنافق يهتك ويفضح، وأنا لا أحب أن أنشر عنك سمعة سيئة، ولكني أحب أن أدلك على الخير، وأحب أن أنبهك لأني رأيتك قد أخطأت في هذا القول وفي الفعل، وقد رأيتك تقصّر في هذا العمل، ولا تقوم بهذا الأمر.
فتنِّبهه على الخطأ سواء كان في الآداب، أو في الطاعات، كأن يتثاقل عن الصلوات، ويتكاسل عن الجمع أو الجماعات، أو يسبل ثوبه، أو يحلق لحيته ويطيل شاربه.. إلخ. فهذه من الأفعال التي تستدعي نصحه، وبيان الحق له فيها.
وهكذا إذا وقع في الأخطاء القولية، في خطبة أو موعظة أو نصيحة فعليك أن تبين له أنك تحبه، ثم تنصحه فيما بينك وبينه، فبهذا يظهر له حبك له، فيتقبَّل منك، فإن كان له عذر اعتذر وقبلته، وإن لم يكن له عذر قبل وتقبل نصيحتك، وشهد بأنك من أهل الأخوة الصادقة.
فالنصيحة من الآداب الحسنى، ومن آثار المحبة الصادقة، ومن الآداب الدينية، وقد جعلها النبي صلى الله عليه وسلم الدين كله بقوله: "الدين النصيحة". فينصحهم عن التقصير والنقص الذي يقعون فيه، ويبيّن لهم وجه الخلل، ووجه النقص الذي يقعون فيه.
ذلك أنه ليس كل إنسان كاملاً، بل لا بد أن يقع الإنسان في خلل وفي نقص، فإذا رأيت أخاك قد وقع في الخلل فإن من كمال الأخوة والمحبة أن ترشده إلى الصواب، وتبين له الحق وتدله عليه؛ وسيستقبله منك وينساق إليه بكل سرور.
فلا شك أن تبادل النصيحة من الآداب الشرعية الناتجة عن المحبة والمودة الصادقة.
4/ النصيحة لولاة الأمور، والنصيحة للعامة:
وتكون النصيحة لكل فرد كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك بقوله: "الدين النصيحة" وكررها ثلاثاً: قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله ولرسوله ولكتابه، ولأئمة المسلمين وعامتهم".
وولاة الأمور هم كلُّ من كان له ولاية في أمر من الأمور: فإمام المسجد ومؤذنه، ورب الأسرة، وأمير القبيلة؛ أو البلدة، ومدير المدرسة والمدرس نفسه، ومعلمو الكُتّاب والموظفون ونحوهم، كل منهم يُعتبر من ولاة الأمور. فلهم حق علينا أن ننصحهم، وأن نبين لهم؛ وهذا من الآداب الشرعية.
ونصيحتهم لا بد أن تكون من أثر محبتهم، فمعلوم أنه لا بد أن يقع أحدهم في خطأ وخلل، إما عن عمد وإما زلة بغير تعمد، فكل منهم حق علينا أن ننصحه؛ فاستقامتهم يحصل بها عز ونصر ويقوى بها المسلمون جميعاً.
والنصيحة من المواعظ التي أمرنا بها في قوله تعالى: (ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)(النحل:125).
وهي أيضاً من التذكير كما في قوله تعالى: (فذكّر بالقرآن من يخاف وعيد)(ق:45).
كما أنها من الإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قوله تعالى: (وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور)(لقمان:17).
========
نقلته لكم للفائده
المحبة والأخوة في الإسلام للشيخ ابن جبرين
لا شك أن الإسلام ربط بين المسلمين وجعلهم إخوة، قال تعالى: (إنما المؤمنون إخوةً) وقال: (فأصبحتم بنعمته إخوانا) (سورة آل عمران، الآية:103)، وقال: (فمن عفي له من أخيه شيء)(البقرة:178). فجعلهم كلهم إخوة، وإن حصل ما حصل بينهم من القتال ومن القتل فإنهم -رغم ذلك- لا يخرجون عن هذه الأخوة.
ولا شك أن الأخوة تقتضي المحبة بمعنى أن تحب لأخيك الخير وتدله عليه. فالمحبة من أعظم الخصال التي دعا إليها الإسلام.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه). فالمراد أنه يحب له الخير ويكره له الشر، ومعلوم أنه إذا أحب له الخير دلّه عليه، وإذا رأى منه شراً حذّره عنه. فالأخوة في الإسلام هي أن تعرف أن كل من يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويعترف بالعبادات ويفعلها، ويعتقد ما تعتقده من حق الله، فإنه أخٌ لك في الله، وأخ لك في الدين، ولو تباعدت الأنساب أو اختلفت الألوان، فما دمت أنت وهو على دين واحد فإنه أخوك، وإذا كان أخاك فعليك أن تحبه في الله ولله.
ثم إن للمحبة في الله والمحبة في الدين آثاراً؛ ليست المحبة في الله مجرد دعوى المحبة ثم تترك أخاك على ما هو عليه من الجهل أو البدعة أو المعصية أو الحاجة الشديدة؛ وأنت تقدر على إزالة ذلك عنه!
فمن هذه الآثار نذكر ما يلي:
1/ المحبة في الله:
ثبت أنه صلى الله عليه وسلم أمرنا بأن تكون المحبة لله، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثٌ من كُنّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أنُ يقذف في النار".
فانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله" أي لأجل الله، ولأجل صلاحه، واستقامته فإذا كان كذلك فإنه يجد حلاوة الإيمان.
بل قد جعل النبي صلى الله عليه وسلم هذه المحبة من الخصال التي يستحق أهلها أن يكونوا من أهل الظلال يوم القيامة في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله؛ فقال صلى الله عليه وسلم: "ورجلان تحابّا في الله، اجتمعا عليه، وتفرقا عليه".
والمراد باجتماعهما الاجتماع في حياتهما، وبتفرقهما التفرق بعد موتهما؛ يعني اجتمعا في الدنيا على أنهما متحابان ولم يفرق بينهما إلا الموت. فهذان من الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
والمسلمون والحمد لله كذلك، ولكن كثيراً ما يوسوس الشيطان بينهم، ويوقع بينهم البغضاء والوحشة ونفرة بعضهم من بعض فتكون تلك النفرة سبباً للتقاطع والتباغض والتحاسد الذي نهى عنه الله في قوله تعالى: (لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يَكُن خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب...)(الحجرات:11). واللمز هو العيب، كما في قوله تعالى: (ويلٌ لكل هُمزة لُمزة)(الحجرات:11).
فقد بين الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات الوسائل التي تحصل بها المحبة منها:
صفاء القلب.
والنية الخالصة.
ومعلوم أن المسلمين إذا صفت قلوبهم وخلصت نياتهم، ونصح بعضهم بعضاً، وأحب بعضهم بعضاً؛ زالت بينهم المنافسات والحسد والبغضاء ونحو ذلك، وأصبحوا مجتمعين وأصبحت قلوبهم مجتمعة مؤتلفة، لم يكن بينهم حقد، ولا تفرق واجتمعت كلمتهم على ما يحبه الله تعالى، وهو ما أراده من العباد.
وهذا هو ما حصل لصفوة الأمة وخيارها وهم الصحابة -رضي الله عنهم- الذي كانوا أعداء قبل الإسلام فائتلفوا بالإسلام؛ فذكّرهم الله بذلك في قوله تعالى: (واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً)(آل عمران:103)، وقال تعالى: (هو الذي أيّدك بنصره وبالمؤمنين وألَّف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم)، فأصبحوا إخواناً متماسكين بهذه الأخوة في قوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا)(آل عمران:103).
فهذا ما يحث عليه الإسلام؛ يحثنا على أن نكون مجتمعين غير متفرقين، مجتمعة قلوبنا وإن تفرقت أبداننا، مجتمعة أهدافنا، ونياتنا، وأعمالنا، لا يخالف بعضنا بعضاً؛ فإن وقع الاختلاف، وقع التضاد والتحاسد، ونحو ذلك، وبذلك تضعف كلمتنا وتضعف معنوياتنا، ولم يكن لأحد عند الآخر قدر، وصار كل منا يستبدّ برأيه وبنفسه ويدعي أن الصواب في جانبه، ويحقر إخوته ولو كانوا أكبر منه وأفضل، ويلتمس مثالبهم ومعايبهم وينشر السمعة السيئة لمن خالفه!
وهذا ما يتمناه أعداؤنا، ويتمناه الشيطان وأولياؤه؛ فإنهم يتمنون للمسلمين؛ سيما أهل السنة وأهل الحق، أن تكون قلوبهم متفرقة مثلما قال الله تعالى عن اليهود: (تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى)(الحشر:14). فهذا بلا شك مما يتمناه أعداؤنا.
ولا شك أن هذا التفرق الذي نحس به ونسمع به بين الحين والآخر أثر من آثار الآداب السيئة، وإلا فلو تأدبنا بآداب الإسلام لما حدث لنا هذا التفرق، ولما التمس بعضنا عورة بعض ولا أحد يستهزئ بالآخر ويدّعي أن الكمال في جانبه.
ما هكذا يكون المنصفون!
2/ النصيحة لأخيك:
لا شك أن المحبة تقتضي أن تنصح أخاك إذا رأيته قد أخلّ بواجب.
وهذه النصيحة من أعظم آثار المحبة فتنصحه لله تعالى وتقول: إني أحبك في الله -من آثار محبتي أن أنصحك بكذا وكذا، وأدلك على كذا وكذا...
وهذه النصيحة ليست مقتصرة على الأمور الدنيوية، مثل مشاركته في تجارتك أو مساهمته معك، أو أن تدله على ما يربح فيه ... وشبه ذلك، فإن هذا ليس من خصوصيات المحبة، بل المحبة أوسع من ذلك.
فمن المحبة أن ترشده إلى الطاعة وتدله عليها، وتحذره من المعصية وتحثه على الابتعاد عنها، وتبيّن له طرق الخير والشر، وتوضح له الطريق السوي الذي يوصله إلى رضى الله تعالى والجنة؛ وهذه هي حقيقة المحبة.
وسوف يتقبل منك إذا علم أنك صادق المودة، ليس لك هدف دنيوي، ولا قصد إلا أنك تريد له الخير وتدله عليه.
ولا تحتقر نفسك أن تنصحه، وتدله على ما ينفعه في دينه ودنياه، ولو كنت أجهل منه، أو أصغر منه؛ هذا هو مقتضى المحبة.
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم في السنة النبوية أمثلة من آثار هذه المحبة، كقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تقاطعوا، ولا تظالموا ولا تهاجروا، ولا تحاسدوا ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره. التقوى هاهنا -ويشير إلى صدره- بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه".
وظاهر الحديث بيِّن لا يحتاج إلى شرح، فلماذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الأخوة بين المسلمين بقوله: "وكونوا عباد الله إخواناً"، أمرهم أن يثبِّتوا هذه الأخوة التي من آثارها عدم تحقير بعضهم بعضاً، وأن لا يظلم بعضهم بعضاً، ولا يعتدي بعضهم على بعض، ولا يهجر بعضهم بعضاً. فكل ذلك من آثار هذه المحبة ومن آثار هذه الأخوة.
فإذا عرفت أن كل المسلمين إخوة لك فإياك أن تُغل قلبك بحق لأحدهم أو بغض لهم، أو احتقار أو ازدراء لأيهم، خاصةً إذا كان عالماً أو طالب علم فتكون بذلك مخالفاً لهذه التوجيهات النبوية التي دل عليها النبي صلى الله عليه وسلم، وتكون مخلاً بهذه الأخوة لأنك إذا لم تعمل بهذه الإرشادات فلست صادقاً في أنك تحب لأخيك ما تحبه لنفسك، الذي هو شرط من شروط الإيمان كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".
فلا يكون كامل الإيمان، ولا من أهل الإيمان الصحيح الحق إلا من أحب لأخيه ما يحب لنفسه.
3/ النصيحة سرا:
ومن آثار المحبة أنك إذا رأيت أخاك واقعاً في خطأ أرشدته سراً فيما بينك وبينه، فتخلو به وتقول له: يا أخي، إنك وقعت في هذه الزلة وفي هذا الخطأ، ومن النصيحة أن أنبهك عليه بيني وبينك، فإن المؤمن يستر وينصح، والمنافق يهتك ويفضح، وأنا لا أحب أن أنشر عنك سمعة سيئة، ولكني أحب أن أدلك على الخير، وأحب أن أنبهك لأني رأيتك قد أخطأت في هذا القول وفي الفعل، وقد رأيتك تقصّر في هذا العمل، ولا تقوم بهذا الأمر.
فتنِّبهه على الخطأ سواء كان في الآداب، أو في الطاعات، كأن يتثاقل عن الصلوات، ويتكاسل عن الجمع أو الجماعات، أو يسبل ثوبه، أو يحلق لحيته ويطيل شاربه.. إلخ. فهذه من الأفعال التي تستدعي نصحه، وبيان الحق له فيها.
وهكذا إذا وقع في الأخطاء القولية، في خطبة أو موعظة أو نصيحة فعليك أن تبين له أنك تحبه، ثم تنصحه فيما بينك وبينه، فبهذا يظهر له حبك له، فيتقبَّل منك، فإن كان له عذر اعتذر وقبلته، وإن لم يكن له عذر قبل وتقبل نصيحتك، وشهد بأنك من أهل الأخوة الصادقة.
فالنصيحة من الآداب الحسنى، ومن آثار المحبة الصادقة، ومن الآداب الدينية، وقد جعلها النبي صلى الله عليه وسلم الدين كله بقوله: "الدين النصيحة". فينصحهم عن التقصير والنقص الذي يقعون فيه، ويبيّن لهم وجه الخلل، ووجه النقص الذي يقعون فيه.
ذلك أنه ليس كل إنسان كاملاً، بل لا بد أن يقع الإنسان في خلل وفي نقص، فإذا رأيت أخاك قد وقع في الخلل فإن من كمال الأخوة والمحبة أن ترشده إلى الصواب، وتبين له الحق وتدله عليه؛ وسيستقبله منك وينساق إليه بكل سرور.
فلا شك أن تبادل النصيحة من الآداب الشرعية الناتجة عن المحبة والمودة الصادقة.
4/ النصيحة لولاة الأمور، والنصيحة للعامة:
وتكون النصيحة لكل فرد كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك بقوله: "الدين النصيحة" وكررها ثلاثاً: قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله ولرسوله ولكتابه، ولأئمة المسلمين وعامتهم".
وولاة الأمور هم كلُّ من كان له ولاية في أمر من الأمور: فإمام المسجد ومؤذنه، ورب الأسرة، وأمير القبيلة؛ أو البلدة، ومدير المدرسة والمدرس نفسه، ومعلمو الكُتّاب والموظفون ونحوهم، كل منهم يُعتبر من ولاة الأمور. فلهم حق علينا أن ننصحهم، وأن نبين لهم؛ وهذا من الآداب الشرعية.
ونصيحتهم لا بد أن تكون من أثر محبتهم، فمعلوم أنه لا بد أن يقع أحدهم في خطأ وخلل، إما عن عمد وإما زلة بغير تعمد، فكل منهم حق علينا أن ننصحه؛ فاستقامتهم يحصل بها عز ونصر ويقوى بها المسلمون جميعاً.
والنصيحة من المواعظ التي أمرنا بها في قوله تعالى: (ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)(النحل:125).
وهي أيضاً من التذكير كما في قوله تعالى: (فذكّر بالقرآن من يخاف وعيد)(ق:45).
كما أنها من الإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قوله تعالى: (وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور)(لقمان:17).
========
نقلته لكم للفائده