المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الصغار عطاشي للحوار


سفين
25-Nov-2004, 01:58 PM
31 مارس 2003


بقلم : فوزية مطر

ما إن شعرت الصغيرات بالأمان والتشجيع حتي نزلن بوابل من الأسئلة والآراء والملاحظات. وأخد ضجيج أصواتهن الملحة علي المشاركة يتزايد كلما طرحت واحدة منهن فكرة تستهوي الأخريات أو تعبر عما يدور بخلدهن عن هواجس وآراء وأمنيات. كان ذلك في لقائين جميلين ومثمرين تم ترتيبهما ضمن فعاليات أسبوع المكتبة الثقافي في المدرسة التي أعتز بانتمائي لها. كان اللقاء الأول حلقة حوارية بعنوان (مدرستي ... كيف أتمني أن أراها).

وكان اللقاء الثاني مناقشة مفتوحة بعد محاضرة بعنوان (هل حلت الفضائيات والانترنت محل الكتاب؟؟) وتراوح عمر جمهور الحضور في اللقاءين بين الحادية عشرة والثانية عشرة سنة. أما ما طرحته هؤلاء الصغيرات من أفكار وآراء فقد تجلي به ما فاق كل التوقعات. في اللقاء الأول دار حوار بين التلميذات اقتصر تدخل الكبار فيه علي إدارة النقاش وتنظيمه. وخلاله أتيح المجال أمام الصغيرات لطرح آرائهن وملاحظاتهن وتطلعاتهن حول مدرستهن بحرية تامة بما شمله ذلك من نواحي إيجابية تروق لهن في حياة المجتمع المدرسي وأخري يرينها سلبية معيقة لتطور العملية التعليمية ولا تحفز إقبالهن علي الدراسة. وكان الاتفاق الأساس مع الصغيرات هو الحرص علي أن تمضي المناقشة علي أرضية بعيدة عن التعرض للأشخاص أو للأسماء مما يحفظ للمجتمع المدرسي وحدته وتماسكه ووللمعلمات مكانتهن وللتلميذات احترام بعضهن لبعض. أما سوي ذلك فقد أُشعرت (بضم الهمزة) الصغيرات أن حريتهن في طرح الرأي مكفولة دون حدود.

بدأ اللقاء هادئا والحوار متحفظا تشوبه روح التردد والريبة وخجل الصغيرات اللواتي قرأن - بذكاء طفولي مدهش - ما يدور بأذهان الكبار حول محاور المناقشة فبدأن في طرح وجهات النظر المتوافقة مع ما يتمني الكبار سماعه. وما أن تم التأكيد لهن علي هامش الحرية الكبير المتاح أمامهن لطرح الرأي والمناقشة حتي استحال الحوار المتحفظ إلي تجاوب مفعم بالتحفز للمشاركة وإبداء الرأي الصريح وطرح المقترحات والبدائل. وبقدر ما فاجأنا وأفرحنا ذلك التحول نحو المشاركة الإيجابية وسريان روحها بين جمهورنا الصغير، بقدر ما أدهشتنا الإمكانية التي تمتعت بها الصغيرات في التقاط الخيوط الرئيسة لأي مشكلة أو خلل رأينه في جوانب العملية التعليمية بالمدرسة وفيما طرحنه حولها من مقترحات وحلول بصدق طفولي مفعم بالنقاء والتجرد اللذين يفتقدهما كثير من الكبار حين تصديهم لحل المشكلات.

أبدت الصغيرات حبهن لمدرستهن ومعلماتهن وتمنين أن تضم صفوفا إعدادية ليواصلن مسيرة تعليمهن بها، وأعلن عن إعجابهن بالبرامج والمشاريع التربوية والتعليمية التي تنفذها المدرسة. وفي الوقت ذاته تطرقن أيضا لبعض الأساليب الخاطئة المطبقة في التدريس وفي تعامل بعض المعلمات معهن وفي العلاقات بينهن كزميلات. واقترحن إدخال مواد ومجالات دراسية جديدة. واشتكين من النقص في معدات بعض المرافق المدرسية.

وعلي المنوال ذاته كان التفاعل والمشاركة في اللقاء الثاني. فمن جهته حرص المحاضر علي تعداد الجوانب التي تؤكد علي استمرار ما يتمتع به الكتاب من مكانة ثقافية، تعليمية ومعرفية حتي في عصر الثورة المعلوماتية التي نعايش، وعلي ما ينفرد به الكتاب من علاقة حميمية متصلة مع قارئه. ونوه إلي أن الكتاب - رغم ما تحقق من تطور - لم يزل يحظي بعدد متزايد من القراء.

حين بدأت المناقشة خاضت الصغيرات حوارا حماسيا شيقا. لم ينكرن فيه تلك المكانة التي أوضحها المحاضر للكتاب، لكن بعضهن رجح المكانة التي أخذت تحتلها وسائل ومصادر التعلم والمعلومات الحديثة (شبكة الانترنت علي وجه الخصوص). وحاولن في غالب طروحاتهن التأكيد علي ميزات تقنيات المعلومات الحديثة وما تحققه من سرعة وشمولية وجمالية في الحصول علي المعلومة. وفي تعقيبه علي تلك الطروحات أكد المحاضر علي أن المفاضلة بين مصادر التعلم والمعلومات - بما فيها الكتاب - غير واردة، ففي الوقت الذي تتنوع وتتعدد فيه تلك المصادر مرحلة بعد أخري، فهي لا تستغني عن بعضها بل تتكامل ويعزز بعضها بعضا فالجديد يثري بالقديم ولا يلغيه والقديم يمد الجديد بغناه ويعزز ذاته به. وتبقي لكل مصدر للمعلومات ميزاته التي ترجح دوره ومكانته في هذا المقام أو ذاك.

وعلي مشارف انتهاء الوقت المخصص للمحاضرة كانت أصابع كثيرة ترتفع طالبة الكلمة. وعلت همهمات الاستهجان عندما تم الإعلان عن نفاذ الوقت المخصص للمناقشة مما حدا بعض الصغيرات ممن لم يحظين بطرح رأيهن أمام الحضور إلي التحلق حول المحاضر مصرات علي إيصال صوتهن ورأيهن له ولإدارة المدرسة وواصل بعضهن تشبثه بمقولة أن ما يتحقق من فائدة ومتعة في فضاء الانترنت يفوق أي وسيلة أخري للمعرفة حتي الكتاب.

أطفالنا عطاشي للتعبير عن رأيهم ... عطاشي لأن يسمعوا بضم الياء خاصة في جو الحياة المدرسية. وهي حقا مناسبات محدودة في مدارسنا تلك التي يتاح لهم فيها أن يبدو آرائهم ويتناقشوا ويتحاوروا ويحاوروا الكبار ... إفساح المجال أمام الصغار ليقولوا ما بدواخلهم حجر أساس في بناء جيل يثق بنفسه قادر علي تحمل المسئوليات واتخاذ القرارات والمشاركة في بناء المجتمع. وتحقيق ذلك واجب. وهو ممكن في وجود إدارات مدرسية وهيئات تعليمية متفتحة تعي دورها التربوي الكبير في بناء شخصيات المتعلمين.


--------------------------------------------------------------------------------
المصدر: الايام - البحرين