ندوووى
18-Apr-2005, 12:34 PM
منوعات في النفس والحياة
الدكتور عادل صادق
أستاذ الطب النفسي / القاهرة
-----------------------------------------------------------------------
إذا كان الشيب يزحف على رأس الإنسان بفعل الأهوال التى يصادفها فى حياته ،
فإنني أعتقد أن بعض هذه الشعيرات البيضاء فى رأسي ترجع إلى هول ما سمعت من مرضى الإكتئاب .
***
.. فى حياتي الشخصية أشياء سارة .. تأثيرها يكون على قلبي فى صورة نبضات سريعة راقصة ..
وكذلك هناك أشياء غير سارة .. تأثيرها يكون على قلبي في صورة " وجع " .
وفي كل مرة أجلس فيها إلى مريض الإكتئاب أشعر " بوجع " في قلبي .
***
… لو كان الإكتئاب رجلاً لقتلته .
.. أكره مرض الإكتئاب بنفس القدر الذي أحب به مريض الإكتئاب … فهو أرق الناس وأصفاهم وأصدقهم .
… أكره مرض الإكتئاب ، ولكني أعترف بأن له فضلاً عليً … لقد غير مسار حياتي .
***
… إنه مرض الأذكياء والمثقفين …. وكذلك فهو مرض هؤلاء الذين لم يعرف الشر طريقه إلى قلوبهم …
….. رغم أن الإكتئاب نقيض الحياة ، فإنني أحياناً أنسى أنني طبيب …..
وأعجب كيف يكون للحياة معنى بدون الإكتئاب …. !!!
***
… من يقول لي أنه لم يشعر قط بالإكتئاب …….
إنه لم يشعر يوماً بوخز الحزن : أقول له إنني أتشكك في آدميتك .
***
… العجيب أن حياة الإنسان تبدأ بالبكاء وتنتهي أيضاً بالبكاء …..
فهل الإكتئاب قدر محتوم كتب على الإنسان ….. !!
***
عزيزي الطبيب حديث التخرج : إذا لم تقرأ جيداً عن الإكتئاب : أعراضه …. علاجه ….
إذا لم تبحث عن علامات الإكتئاب فى كل مريض يدخل عيادتك ، فإنني أتنبأ لك بأنك ستكون طبيباً فاشلاً ..
***
… فهم مرض الإكتئاب ليس حكراً على الأطباء ….
هناك العديد من الأدباء المبدعين ، الذين استطاعوا أن يصفوا بعمق خلجات النفس المكتئبة …..
***
من لا يدمع قلبه حين يعايش مريض الإكتئاب ، فإن قلبه من حجر ، أو أشد قسوة …
***
الفنان الصادق له نفس أميل إلى الإحساس بالإكتئاب …
النغم واللون والكلمة … ما هي إلا هدير نفوس أفعمها الإكتئاب .
***
لم أر فى حياتي إنساناً شاكراً وممتناً مثل مريض الإكتئاب ، الذي من الله عليه بالشفاء ……..
****
قتلت الأم وليدها الرضيع …. أتعرفون لماذا قتلته ………؟
قتلته لكي تحميه من عذاب الإكتئاب الذى تعاني منه ! …..
****
مات الرجل … فامتنع كلبه عن الطعام حتى مات !…….
حتى الكلاب تعاني من الإكتئاب يا معشر البشر ……….
****
ماتت زوجته بعد رحلة عمر طويلة …. مات بعدها بشهرين …
إنه مات بفعل الإكتئاب …….
****
سبحانك يامن جعلت الإكتئاب مرضاً يصيب بعض عبيدك ….
على قدر فهمي المحدود ، إنها نفس الحكمة الكامنة فى خلق الليل والنهار …
الأبيض والأسود …. الخير والشر ….. البرودة والحرارة … الأفاعي والحملان ….
لكل شيء جعلت له نقيضه … فإن قيمة الشيء لا تعرف إلا من خلال نقيضه ….
***
دخل صديقي حجرته وأطلق على رأسه الرصاص ! … !!
ولم يدر أحد حتى مات أنه كان يعاني من الإكتئاب ….
القصة بدأت قبل عام من إطلاق الرصاص …. بدأت بآلام معدته … لف الدنيا …. كلها من أجل علاج لآلامه ….
ولم يهتد حكيم إلى سر آلامه … فى عمله … ثم بدأ يعتزل الناس …. ثم قرر أن يعتزل الحياة . ****
تصور أنك ستنهض من مكانك الآن لتحضر مسدساً ـ ثم تلصقه حيث منتصف المسافة بين عينيك ،
ثم تطلقه … وبعد ثوان تغادر تماماً هذه الحياة .
حاول من فضلك أن تتصور الاتي :
1- الدافع الذي يمكن أن يقودك إلى هذا الفعل .
2- إحساسك وقد وصلت إلى القرار بإنهاء حياتك .
3- اللحظات التى ستمر عليك منذ لحظة إتخاذ القرار إلى أن تمسك بالمسدس .
آسف إن دفعتك إلى تجربة على مستوي التخيل ،
رغم علمي المسبق أنك لن تستطيع أن تتخيل هذا الموقف … لسبب بسيط …
وهو أنك تحب الحياة ومتمسك بها ..
رغم سخطك عليها …. حتى محترفو مهنة الطب النفسي\ـ وأنا أحدهم ـ
لا يقدرون على وصف هذه اللحظات ،
رغم أنهم يرون أصحابها الحقيقيين فى كل يوم .. لن يحكي لك عن هذه التجربة إلا الذي مر بها حقيقة …
وللأسف فإنهم يغادرون الحياة قبل أن نستطيع أن نسألهم ..
ومن ينقذ منهم يصاب بفقدان للذاكرة عن هذه اللحظات ………….
متى يقتل الإنسان نفسه ؟
الإجـابة :
حين تصبح الحياة غير محتملة … حين تصبح عديمة القيمة …
حين تصير عديمة الجدوى … حين لا يوجد أي حل للخلاص من الآلام …
حين يكون الموت هو طريق الخلاص الوحيد …
ماهي هذه الآلام ؟
أعتذر لأني لا أستطيع أن أصفها لك بدقة …. ولكن مريض الإكتئاب يقول :
" أشعر بألم فى الداخل … أشعر بتمزق داخلي …. أشعر بالنار فى أحشائي وفى صدري .. لم أعد أحتمل هذا الألم " .
…. هذا يا عزيزي القارىء ، ما نسميه بالألم النفسي ..
هل تستطيع أن تقارنه بآلام الأسنان أو بالمغص الكلوي ؟
والمأساة أن مريض الإكتئاب فى بعض الحالات يشعر أنه يستحق هذا العذاب …
إنه الإحساس بالذنب دون أي ذنب اقترفه … بل إنه يزيد من تحقير ذاته والتقليل من قيمتها ….
يشعر أنه عالة على الآخرين … أنه سبب معاناتهم …….
يبدأ المرض بفقدان الإهتمام وفقدان الرغبة …
الألوان كلها باهتة …
لا طعم لأي شيء ….
وذلك قبل أن يشعر بقتامة الأشياء ومرارتها …
ثم يجرفه الحزن … حزن غريب في عمقه وحدته…….
رغبة فى البكاء …
تشاؤم …
خوف ..
هواجس ….
يفتح عينيه قبل الفجر بقليل والكل نيام …
****
أعراض غريبة مؤلمة لا يعرف كم هي معذبة ومهلكة إلا من عبر بها .. إلا من عانى منها ….
أعراض يجب ألا نأخذها بإستخفاف ، فنطلب من المريض أن يقاومها بإرادته ،
ونضغط عليه لكي يشاركنا الحياة ، وإن الأمر سيتحسن إذا هو قام بإجازة وذهب للترويح عن نفسه …
أبدأ إنه لن يستطيع . فارحموه من تلك النصائح غير المجدية .
****
ومرض الإكتئاب العقلي أكثر إنتشاراً فى الرجال حيث النسبة 3-2 ،
وهناك نوع آخر من الإكتئاب يطلق عليه " إكتئاب سن اليأس " ونسبته ترتفع فى النساء عن الرجال 7-1 ،
ويعرف بإسم " الميلانكوليا " وعادة يبدأ بعد سن الخمسين أى فى الفترة التي يبدأ فيها هبوط نشاط الغدد الجنسية .
وهناك إتجاه لإنكار علاقة هذا النوع من الإكتئاب بالتغيرات الهرمونية التى تحدث فى هذه السن ،
وأن هذا الإكتئاب يحدث نتيجة لظروف نفسية وبيئية كفقدان الزوج ، أو زواج الأبناء ،
أو الإحالة للمعاش بالنسبة للرجال … وأعراضه هى أعراض الإكتئاب العقلي نفسها ،
ولكن تكون مصحوبة أيضاً بحالة شديدة من القلق والتوتر .
****
إن تجربة اكتئاب هي أعظم وأهول تجربة يمر بها إنسان …
وأجد نفسي فى مأزق … هل أحسد مريض الإكتئاب أم أشفق عليه من هول التجربة ؟ …
لعلي أحمل له فى قلبي كلا الإحساسين المتناقضين … الحسد والإشفاق …
أحسده لأنه إقترب من فهم معنى الحياة ….
ولكن لا أملك نفسي من الإشفاق ، لأن مريض الإكتئاب يتحمل ما لا يتحمله أي إنسان آخر .
" من كتاب : حكايات نفسية 1990 ، للمؤلف "
الدكتور عادل صادق
أستاذ الطب النفسي / القاهرة
الدكتور عادل صادق
أستاذ الطب النفسي / القاهرة
-----------------------------------------------------------------------
إذا كان الشيب يزحف على رأس الإنسان بفعل الأهوال التى يصادفها فى حياته ،
فإنني أعتقد أن بعض هذه الشعيرات البيضاء فى رأسي ترجع إلى هول ما سمعت من مرضى الإكتئاب .
***
.. فى حياتي الشخصية أشياء سارة .. تأثيرها يكون على قلبي فى صورة نبضات سريعة راقصة ..
وكذلك هناك أشياء غير سارة .. تأثيرها يكون على قلبي في صورة " وجع " .
وفي كل مرة أجلس فيها إلى مريض الإكتئاب أشعر " بوجع " في قلبي .
***
… لو كان الإكتئاب رجلاً لقتلته .
.. أكره مرض الإكتئاب بنفس القدر الذي أحب به مريض الإكتئاب … فهو أرق الناس وأصفاهم وأصدقهم .
… أكره مرض الإكتئاب ، ولكني أعترف بأن له فضلاً عليً … لقد غير مسار حياتي .
***
… إنه مرض الأذكياء والمثقفين …. وكذلك فهو مرض هؤلاء الذين لم يعرف الشر طريقه إلى قلوبهم …
….. رغم أن الإكتئاب نقيض الحياة ، فإنني أحياناً أنسى أنني طبيب …..
وأعجب كيف يكون للحياة معنى بدون الإكتئاب …. !!!
***
… من يقول لي أنه لم يشعر قط بالإكتئاب …….
إنه لم يشعر يوماً بوخز الحزن : أقول له إنني أتشكك في آدميتك .
***
… العجيب أن حياة الإنسان تبدأ بالبكاء وتنتهي أيضاً بالبكاء …..
فهل الإكتئاب قدر محتوم كتب على الإنسان ….. !!
***
عزيزي الطبيب حديث التخرج : إذا لم تقرأ جيداً عن الإكتئاب : أعراضه …. علاجه ….
إذا لم تبحث عن علامات الإكتئاب فى كل مريض يدخل عيادتك ، فإنني أتنبأ لك بأنك ستكون طبيباً فاشلاً ..
***
… فهم مرض الإكتئاب ليس حكراً على الأطباء ….
هناك العديد من الأدباء المبدعين ، الذين استطاعوا أن يصفوا بعمق خلجات النفس المكتئبة …..
***
من لا يدمع قلبه حين يعايش مريض الإكتئاب ، فإن قلبه من حجر ، أو أشد قسوة …
***
الفنان الصادق له نفس أميل إلى الإحساس بالإكتئاب …
النغم واللون والكلمة … ما هي إلا هدير نفوس أفعمها الإكتئاب .
***
لم أر فى حياتي إنساناً شاكراً وممتناً مثل مريض الإكتئاب ، الذي من الله عليه بالشفاء ……..
****
قتلت الأم وليدها الرضيع …. أتعرفون لماذا قتلته ………؟
قتلته لكي تحميه من عذاب الإكتئاب الذى تعاني منه ! …..
****
مات الرجل … فامتنع كلبه عن الطعام حتى مات !…….
حتى الكلاب تعاني من الإكتئاب يا معشر البشر ……….
****
ماتت زوجته بعد رحلة عمر طويلة …. مات بعدها بشهرين …
إنه مات بفعل الإكتئاب …….
****
سبحانك يامن جعلت الإكتئاب مرضاً يصيب بعض عبيدك ….
على قدر فهمي المحدود ، إنها نفس الحكمة الكامنة فى خلق الليل والنهار …
الأبيض والأسود …. الخير والشر ….. البرودة والحرارة … الأفاعي والحملان ….
لكل شيء جعلت له نقيضه … فإن قيمة الشيء لا تعرف إلا من خلال نقيضه ….
***
دخل صديقي حجرته وأطلق على رأسه الرصاص ! … !!
ولم يدر أحد حتى مات أنه كان يعاني من الإكتئاب ….
القصة بدأت قبل عام من إطلاق الرصاص …. بدأت بآلام معدته … لف الدنيا …. كلها من أجل علاج لآلامه ….
ولم يهتد حكيم إلى سر آلامه … فى عمله … ثم بدأ يعتزل الناس …. ثم قرر أن يعتزل الحياة . ****
تصور أنك ستنهض من مكانك الآن لتحضر مسدساً ـ ثم تلصقه حيث منتصف المسافة بين عينيك ،
ثم تطلقه … وبعد ثوان تغادر تماماً هذه الحياة .
حاول من فضلك أن تتصور الاتي :
1- الدافع الذي يمكن أن يقودك إلى هذا الفعل .
2- إحساسك وقد وصلت إلى القرار بإنهاء حياتك .
3- اللحظات التى ستمر عليك منذ لحظة إتخاذ القرار إلى أن تمسك بالمسدس .
آسف إن دفعتك إلى تجربة على مستوي التخيل ،
رغم علمي المسبق أنك لن تستطيع أن تتخيل هذا الموقف … لسبب بسيط …
وهو أنك تحب الحياة ومتمسك بها ..
رغم سخطك عليها …. حتى محترفو مهنة الطب النفسي\ـ وأنا أحدهم ـ
لا يقدرون على وصف هذه اللحظات ،
رغم أنهم يرون أصحابها الحقيقيين فى كل يوم .. لن يحكي لك عن هذه التجربة إلا الذي مر بها حقيقة …
وللأسف فإنهم يغادرون الحياة قبل أن نستطيع أن نسألهم ..
ومن ينقذ منهم يصاب بفقدان للذاكرة عن هذه اللحظات ………….
متى يقتل الإنسان نفسه ؟
الإجـابة :
حين تصبح الحياة غير محتملة … حين تصبح عديمة القيمة …
حين تصير عديمة الجدوى … حين لا يوجد أي حل للخلاص من الآلام …
حين يكون الموت هو طريق الخلاص الوحيد …
ماهي هذه الآلام ؟
أعتذر لأني لا أستطيع أن أصفها لك بدقة …. ولكن مريض الإكتئاب يقول :
" أشعر بألم فى الداخل … أشعر بتمزق داخلي …. أشعر بالنار فى أحشائي وفى صدري .. لم أعد أحتمل هذا الألم " .
…. هذا يا عزيزي القارىء ، ما نسميه بالألم النفسي ..
هل تستطيع أن تقارنه بآلام الأسنان أو بالمغص الكلوي ؟
والمأساة أن مريض الإكتئاب فى بعض الحالات يشعر أنه يستحق هذا العذاب …
إنه الإحساس بالذنب دون أي ذنب اقترفه … بل إنه يزيد من تحقير ذاته والتقليل من قيمتها ….
يشعر أنه عالة على الآخرين … أنه سبب معاناتهم …….
يبدأ المرض بفقدان الإهتمام وفقدان الرغبة …
الألوان كلها باهتة …
لا طعم لأي شيء ….
وذلك قبل أن يشعر بقتامة الأشياء ومرارتها …
ثم يجرفه الحزن … حزن غريب في عمقه وحدته…….
رغبة فى البكاء …
تشاؤم …
خوف ..
هواجس ….
يفتح عينيه قبل الفجر بقليل والكل نيام …
****
أعراض غريبة مؤلمة لا يعرف كم هي معذبة ومهلكة إلا من عبر بها .. إلا من عانى منها ….
أعراض يجب ألا نأخذها بإستخفاف ، فنطلب من المريض أن يقاومها بإرادته ،
ونضغط عليه لكي يشاركنا الحياة ، وإن الأمر سيتحسن إذا هو قام بإجازة وذهب للترويح عن نفسه …
أبدأ إنه لن يستطيع . فارحموه من تلك النصائح غير المجدية .
****
ومرض الإكتئاب العقلي أكثر إنتشاراً فى الرجال حيث النسبة 3-2 ،
وهناك نوع آخر من الإكتئاب يطلق عليه " إكتئاب سن اليأس " ونسبته ترتفع فى النساء عن الرجال 7-1 ،
ويعرف بإسم " الميلانكوليا " وعادة يبدأ بعد سن الخمسين أى فى الفترة التي يبدأ فيها هبوط نشاط الغدد الجنسية .
وهناك إتجاه لإنكار علاقة هذا النوع من الإكتئاب بالتغيرات الهرمونية التى تحدث فى هذه السن ،
وأن هذا الإكتئاب يحدث نتيجة لظروف نفسية وبيئية كفقدان الزوج ، أو زواج الأبناء ،
أو الإحالة للمعاش بالنسبة للرجال … وأعراضه هى أعراض الإكتئاب العقلي نفسها ،
ولكن تكون مصحوبة أيضاً بحالة شديدة من القلق والتوتر .
****
إن تجربة اكتئاب هي أعظم وأهول تجربة يمر بها إنسان …
وأجد نفسي فى مأزق … هل أحسد مريض الإكتئاب أم أشفق عليه من هول التجربة ؟ …
لعلي أحمل له فى قلبي كلا الإحساسين المتناقضين … الحسد والإشفاق …
أحسده لأنه إقترب من فهم معنى الحياة ….
ولكن لا أملك نفسي من الإشفاق ، لأن مريض الإكتئاب يتحمل ما لا يتحمله أي إنسان آخر .
" من كتاب : حكايات نفسية 1990 ، للمؤلف "
الدكتور عادل صادق
أستاذ الطب النفسي / القاهرة